Navigation – Plan du site

AccueilNuméros17عروض"دراسات عن الرهانات الثقافية" لأح...

عروض

"دراسات عن الرهانات الثقافية" لأحمد بوكوسمن تفكيك رهانات الثقافة إلى تأسيس ثقافة الرهانات

Aziz Lamtaoui
p. LXXXI – LXXXVIII

Résumés

L’introduction descriptive-analytique à la traduction de l’ouvrage d’Ahmed Boukous[1] met l’accent sur les enjeux abordés par l’auteur en adoptant de multiples soubassements théoriques et méthodologiques où juxtaposent l'analyse sociologique critique, l'archéologie, l'anthropologie, la linguistique, l'analyse du discours, la sémiotique, les méthodes de critique littéraire, l'analyse structurelle du récit et la morphologie du conte. Cette démarche a permis à l’auteur d’expliciter de nombreux aspects absents du discours de soi sur l'identité marocaine. Par surcroît, le traducteur a mis en évidence la force et la légitimité qui caractérisent le discours investi par l’auteur, aussi bien dans son côté purement scientifique qu’idéologique, liés tous les deux à la revendication d'instaurer une identité marocaine dans ses multiples dimensions. Il a également porté une réflexion sur le caractère binaire du langage employé dans ces études, où est présent l’aspect dénotatif à côté de celui connotatif dans sa dimension esthétique éblouissante, le ton violent fort à côté de celui calme doux. Et ce pour accéder, finalement, à cet archétype qui surplombe, transcendentalement, notre diversité et pluralité. Cet archétype se concrétise sous forme d’aspect marocain distinctif : "Tamaghrabiyt".

Haut de page

Texte intégral

1صدرت ترجمة عربية لكتاب "دراسات عن الرهانات الثقافية" لأحمد بوكوس أنجزها عزيز لمتاوي، والذي صدَّرها بمقدمة وصفية تحليلية رصد فيها الرهانات التي قاربها المؤلف باعتماد مرجعيات نظرية ومنهجية متعددة، يتجاور فيها التحليلُ السوسيولوجيُّ النقديُّ مع الأركيولوجي والانتروبولوجي واللسانيات وتحليل الخطاب والسميائيات وطرائق النقد الأدبي والتحليل البنيوي للسرد ومورفولوجيا الحكاية، والتي مكنته من إماطة اللثام عن جوانب عديدة مُغيَّبة من الخطاب الذاتي عن الهوية المغربية. علاوة على ذلك، فقد أبرز المترجم قوة الخطاب ومشروعيته سواء في جانبه العلمي الصرف أو في جانبه الإيديولوجي، والمرتبطين معا بالمطالبة بتأسيس هوية مغربية في أبعادها المتعددة، كما توقف أيضا عند الطابع الثنائي للغة الموظفة في هذه الدراسات التي يحضر فيها التقريري المباشر إلى جانب الإيحائي ذي البعد الجمالي الآسر، والعنيف القوي إلى جانب الهادئ اللين، وصولا في نهاية المطاف إلى هذا النمط الجامع الذي يُشرف من أعلى على اختلافنا وتعددنا. إنه النمط المتمثل في الطابع المغربي المُميِّز. إنه "تمغربيت".

نص المقدمة

2تُعَدُّ هذه الدراساتُ، بالنظر إلى موضوعاتها وإشكالياتها وقضاياها المتعددة، الراهنةِ والسالفةِ والمتطلعةِ إلى المستقبل، تكريما للبحث الذي اتخذ من المغرب ذاتاً وموضوعاً، والذي تأسس في سياقات متعددة، وأنتجه باحثون مختلفون ينتمون إلى مشارب متباينة، وإلى مجالات جغرافية متعددة. هذا البحثُ الذي تَحقق على امتداد ما يزيد على قرن من الزمان تتم استعادته هنا، لكن من منظورات أخرى تسعى إلى إعادة صياغة الأسئلة المطروحة أو طرح أسئلةٍ أخرى بحثاً عن أجوبةٍ مغايرةٍ. وتتجلى هذه الاستعادة في مطلع كل فصل حيث يتم تكريم علم من أعلام هؤلاء الباحثين، سواء الذين أسهموا في مُساءلة العديد من تجليات ثقافة هذا البلد أو الذين شكَّلت أبحاثُهم، في مُختلَف المجالات، خلفيةً نظريةً ومنهجيةً لهذه الدراسات. إنه يُعتبَر احتفاءً بهذا النوع من التفكير، المُغيَّب أو الذي تم تغييبه قسراً من مجال الاهتمام الثقافيِّ العام أو من الحقل التربوي على صعيد المدرسة بكل تجلياتها، أو من وسائل إحداث العنف الرمزي بتعبير بورديو Bourdieu التي قد تؤدي وظيفةً مَغايِرة بإثارتها أسئلةَ هذا الفكرِ وخلقهِا ديناميةً في هذا الاتجاه.

3يتداخل في هذه الدراسات التحليلُ السوسيولوجيُّ النقديُّ والأركيولوجيُّ والانتروبولوجيُّ واللسانياتُ وتحليلُ الخطاب والسميائيات وطرائقُ النقد الأدبي والتحليل البنيويُّ للسرد ومورفولوجيا الحكاية، وغيرُها. إنها مجالات يستعير منها بوكوس أدواته لمساءلة رهانات الحداثة في مغرب مُتعدد مازالت تُثقل كاهلَه آثار التقليد، ويَتوق إلى التحرر من بقايا وآثارِ زمنِ ما قبل الحداثة كما تجلت هنا والآن؛ في الواقع القائم وفي الكتابات السوسيولوجية، وفي التخييل وكُتب الرِّحلةِ وكلِّ تجليات الثقافة المغربية في تَعددها الآسِر. إنه تحليل للحرف والكتابة، للخطوط والظلال، للألوان والأشكال الهندسية، لحركة الانسان ومَنطوقِه وعلاقاته ومختلف تعبيراته الثقافية ضمن الألسنة المختلفة (العالِمة وألسنة التداول اليومي والجماهيري/العربي، والأمازيغي، والفرنسي، والعبري..)، تحليلٌ للذات وللآخر الذي ألقت به رياحُ العولمة، أو دَفعَنا إليه فُضولُ الاكتشاف والمعرفة، تحليل للأنا وللغير في البعدين المحلي والكوني، إذ ليس الآخرُ دائما ذاك الذي يقبع في الضفاف الأخرى لِمِياهِنا وصحرائنا وسهولنا وجبالنا، بل إنه الآخرُ الذي يعيش معنا في الكيان الجغرافي والتاريخي نفسه، ويختلف عنَّا / ومَعنا لسانا وتقاليد وعادات وقيما ودينا. الآخرُ المختلفُ والمؤتلفُ داخل الذات نفسها، الآخرُ المحتَفى به والمنبوذُ...ما السبيل الذي يقودنا إذن إلى تفاعل بيثقافي يضمن الاتصالَ والانفصالَ، يضمن تعايشَ المؤتلِفِ والمختلِفِ؟ تِلك هي رهانات الثقافة المغربية في تَبَدِّيها المتعدد والمتنوع. ومن ثمة، حضورُ مؤلَّف بتجليات مُتعدِّدة متنوعة، تتداخل أحيانا مع بعضها إلى حدِّ التماهي، وتتباعد وتتمايز أحيانا أخرى إلى حدِّ التعارض. هكذا، يَضعُنا المؤلِّف أمام المرآة لنرى ذواتَنا وحقيقةَ الشخصيةِ المغربيةِ في تَعدُّدِها وتنوُّعِها الكبير حتى لا ننسى أن " تَمَغْرَبيت" (الطابع المغربي المميِّز) ليست كياناً أحاديَّ البُعدِ، وليست نَفياً للآخر وتأكيدا بغيضاً للذات. إنها هذا الكلُّ المتعدد والممتَد الذي يُصِر بعض غُلاة الاختزال على بَتر بعض أجزائه والتخلص منها في الطريق نحو مغربٍ نرجسي يُكرِّس نظرةً معياريةً إلى الانسان والثقافة والمجال. الكتابُ يُؤسِّس لذات/لمغرب يسمو فوق الأنا المتعالِم باتجاه الأنا العالِم، ويَتوق إلى طرح الأسئلة المؤجَّلة لعقود من الزمن بسبب ضيقٍ في الرؤيا وفي القلب والوجدان، الأسئلةِ الوجيهة التي تعمل على تفكيك رهانات الثقافة وتأسيس ثقافة الرهانات. إنه الرهان الصعب والممكن في الآن ذاته...

4يُذكرنا الكتابُ بما تنْساه أو تتناساه العديدُ من الخطابات عن الذات مُروِّجة لخطابٍ أحاديٍّ، ومُكرِّسة لنمطية في التفكير والتعبير والتجلي، غافلةً أو متغافلةً عن جوانب، لا أقول مشرقة أو معتمة أو تقع بين الاشراق والعتمة، وإنما أقول حاضرةً وموجودةً هنا والآن وكفى ! ويقتضي منا البحث العلميُّ الرصين لَفْت الانتباه إليها، وطرحَ الأسئلة الوجيهة بصددها وفتح مساراتِ بحثٍ ونقاش بشأنها صوب سبيل يحملنا إلى الهوية المواطِنة والمتعددة... لأن الهويات الأحادية هويات قاتلة مجنونة. آنَ الأوانُ لننفض الغبار عن ذاكرتنا، ونزيل الغشاوة من على أعيننا حتى يتسنى لنا التفكير والنظر بوضوح وبصورة صائبة.

5الكتابُ سفر في التاريخ وفي الجغرافيا وفي الهوية. الكتاب كُتبٌ، إذ تُشكل كل دراسةٍ كتابا مُكثَّفا قائما بذاته، وكأني بالمؤلف أراد قولَ كلَّ شيءٍ ذي صلة في هذا الكتاب. هكذا، جاءت هذه الدراسات حافلة بالعديد من الأفكار، ومُستدعية لكثير من المرجعيات النظرية والفكرية والمنهجية، ومُتوسِّلة بجهاز مفهومي ضخمٍ ومتنوعٍ، كما طرحت العديدَ من الأسئلة وأثارت كمّاً هائلا من القضايا. وقد انعكس ذلك على صياغة النص، حيث طولُ الجمل المقطَّعة بالفواصل والنقط، والتي تَطَلَّب فهمُها وترجمتُها ضرورةَ تقطيعها، وإعادة بنائها من جديد للظفر بالمعنى المقصود، وبلوغ المراد المأمول. الكتاب هدمٌ وتفكيكٌ، بناءٌ وإعادةُ صياغة...، وسَعيٌ فوق تضاريس متنوعة، إذ يتجاور فيه خطابان يتفقان في الغاية ويختلفان في الأدوات الموظفة :

6الخطابُ العلميُّ الرصينُ والهادئُ، والذي يَمتحُّ أدواته من حقول معرفية متعددة، ويعتمد أدواتِ تحليلٍ متنوعةً، ويَحفل بكَمٍّ هائل من المفاهيم يَنِمُّ عن سعةِ اطلاعٍ واتساعٍ في الأفق والرؤيا، ويُكرِّس الخطابَ المبنيَّ على المقدمات ودقةِ الملاحظة وأصالةِ التفكير. إنه خطابٌ يتوجه إلى النخبة بأدواتها ومرجعياتها، حيث يُشيَّدُ فيه الاقناعُ على الشاهد العلمي والخلفية المشتركة مبنىً ومعنىً. هنا يَحضُر الباحث الذي رَاكَم تجربةً في المجال تمتد لعقود من الزمن تدريساً وتأطيراً وتأليفاً. ويتجلى هذا الخطاب في حضور أبجدياته في مختلف الدراسات التي تُؤثِّث هذا المؤلَّف انطلاقا من طرح الإشكالية (بشكل صريح في مستهل جل الدراسات، وبصورة ضمنية في بعضها)، والافتراضات الرئيسة، مرورا بالتحليل (الذي يتخذ تجليات متعددة، ويستدعي مرجعياتٍ نظرية متباينة، ويعتمد أدوات مختلفة)، وانتهاءً بالخلاصات والصياغات التركيبية لنتائج البحث، وتأكيد المسلمات والفرضيات أو نفيها، علاوةً على التحديدِ المفهوميِّ (على سبيل المثال، تحديد البين طرفين ضمن خطابات متعددة في سياق الحديث عن البيثقافي، العلاقة بين الشفهي والكتابي والإشكالات التي يطرحها الانتقال من ضفة إلى أخرى أو بينهما، التمثيل والدافع والموقف عند الحديث عن انتقال التقليد الشفهي واستمراريته في سياق مخالف، الثقافة والتنمية والتنويعات المرتبطة بهذه الأخيرة...)، ناهيك عن كثرة الاحترازات النظرية والمنهجية، والتمييز بين الانطباعي الذاتي وبين العلمي الدقيق، بين الخاص والعام، دون أن ننسى استنادَه إلى خلفية تمثيلية داعمةٍ للقضايا التي يُنافح عنها، أو مفندةٍ لبعض المزاعم أو الرؤى المغايِرة، وقد ضمت هذه القاعدة التمثيليةُ نصوصاً من خطابات متعددة تنتمي إلى أشكال تعبيرية ومعرفية متنوعة، وإحالات على تجسيدات في الواقع القائم على المستوين المحلي والكوني.

7الخطابُ الإيديولوجيُّ، حيث يتراجع الباحث ليُفسِح المجال للفاعل السياسي والجمعي والنقابي(على مستوى الخطاب) لصياغةِ خطاب من طينة أخرى يَسير بالموازاة مع الخطاب الأول ويُكَمِّلُه ويَشُدُّ أزرَه، خطابٍ يَحضر فيه السجالُ بنبرة حادة، وتتوالى فيه المرافعات، وعرائضُ المطالبات المُدبَّجة بلغة قوية تمتح معجمها من الواقع الذي يتسِّم بهذا التدافع القوي بين أطراف يَنزَع كل واحد منها إلى تَسيُّد المشهد، وتوظيف كل أساليب الإقصاء أو الإعلاء من شأن الأنا في بعدها الأحادي محلياً، وإقليميا أو كونيا...إنه خطاب مُغَلَّف بالذاتية التي تتجلى بقوة أحيانا، وبحُنو ومرونة أحيانا أخرى، غير أنها تُغلِّب في الحالتين معا الخطابَ الهادئ الرزين والمتفتح الذي يُنافح عن القضايا دون الوقوع في براثن الذاتية المتطرفة...

8وتحضر إلى جانب هذه الثنائية، ثنائية الهدم والبناء، ثنائية النقد والتأسيس، ثنائيةُ تقويض البناءات وتقديمِ البدائلِ. ثنائيةٌ تقوم بين نقد الأنساق النظرية والذهنية وتفكيكها قصد فهم إواليات اشتغالها وطرائق تركُّبها والشروط المتحكِّمة في إنتاجها، وإعادة بنائها من جديد في ظل تصورات نظرية مختلِفة ومفاهيم مستحدَثة. ويطال هذا الهدمُ والتأسيسُ أو طرحُ البدائل الممكنة كياناتٍ اجتماعية وسياسية وثقافية متباينة تتخذ، في الغالب، شكلَ تقابلٍ بين الأنا والآخر، بين الشرق والغرب، بين الأحادية والتنوع، بين الاختلاف المتطرف المنعزل والاختلاف الفاعل والمندمج باتجاه تأسيس الاختلاف الناعم والتمازج الثقافي المرتكزِ على النقد المزدوج، وعلى خوض غمار الهجرة من الهويات القاتلة والمجنونة إلى الهويات المؤنسَة القائمة على الحداثة في بعدها الإنساني النبيل. تتصارع وتتراكب وتتآلف ضمن هذه الثنائية أفكارٌ ومفاهيم وتصورات ورؤى غايتها جعلُ الأفراد والمجتمعات يدركون أنهم "ينتمون إلى الإنسانية نفسِها، وأنهم يرتبطون بالمصير نفسه ارتباطا وثيقا، وأن الاختلافات اللغوية والثقافية ما هي سوى أوجهِ ثراءٍ ينبغي الحفاظُ عليها وتثمينُها سواء لدى الذات أو لدى الآخر." وأنه بإمكان الإنسانية أن تُقدِّم بديلا يقف في وجه" الهيمنة الإمبريالية على المستويات الاقتصادية والثقافية والعسكرية، وصَدِّ انتشار مختلف أوجه الأصولية(...) وكذا أصولية النقاءِ العرقيِّ والقوميةِ." وهنا يكمن، بحسب رأي المؤلف، دورُ المثقفِ الحرِّ الذي عليه ان يضطلع بمهمة" وضع نماذجَ فكريةٍ مُبتكَرةٍ قادرةٍ على إظهار أوجهِ قصورِ نماذج باليةٍ، وجعل يوتوبيا الغد ممكنةَ التحقُّقِ."

9ويتم تقديم هذه الثنائيات وغيرها في كَنف لغة تكتسي هي الأخرى طابعا ثنائيا. هكذا، تنتصب، من جهة أولى، لغةٌ تقريريةٌ مباشرةٌ تحتفل بالمعنى أكثر من المبنى، وبالبعد الإبلاغي أكثر من البعد الجمالي، لغةٌ "علمية" تحفل بالمصطلحات التي تنتمي إلى حقول معرفية متعددة، وتنهض في معظمها على جمل مكثفة مُحمَّلة بأفكار ومعان تتزاحم مع بعضها ضمن حيِّز لغويٍّ ضيِّق أحياناً، بيد أنه محملٌ بالدلالات العميقة، لغةٌ تتوسل بالبرهان وبكل أساليب الاستدلال العقلي قصد الاقناع وتبيان "صحة" الأفكار وحصافة الرأي، لغةٌ تكتسي طابعاً حوارياً مع الآخر ومع ذاتها، مع البديهيات المضللة والأفكار القائمة حيث تستدعي أطرافا متعددة، إذْ الحوارية فيها غير قائمة على الثنائية التي غدت سخيفة من فرط تكرارها واعتمادها مرجعاً اتفاقياً، ونقصد بها ثنائية الرأي والرأي الآخر، حيث يتم اختزال الفكر والصراع والرأي إلى طرفين حديَّيْن مع إقصاء الأطراف الأخرى التي لا تتموضع في أحد الحدين... إنها لغة تُحاور الآراء كلَّها وتتخذ موقعاً متميزاً، حيث تصبح بدورها طرفاً مغايراً لا طرفاً أحادياً. ومن جهة أخرى نصادف لغةً إيحائيةً تقرِّب هذا الكتاب، في مواضع كثيرة، من العمل الأدبي ذي النفَس الشعري، حيث حضور كل أشكال الأساليب البديعة والصور البلاغية، والاحتفال بالمبنى المكثِّف للمعنى. إنها لغةٌ تقودنا إلى استجلاء ثنائيةٍ لغوية أخرى بين لغة "هادئة" وأخرى "عنيفة". إنهما لغتان تتجاوران وتتداخلان أحيانا حدَّ الحلول وتنأيان عن بعضهما أحيانا أخرى حدَّ التنابذ. بين العنف والهدوء تحضر ذاتٌ تحاور، تتدافع، وتذهب عند الآخر لتقتحم قلاعه المحصنة بأوهام تمتح من أصوليات متعددة، تُحاجُّ، تحلل، وتمد يدها من أجل التأسيس المتطلع إلى المستقبل.

10تتعدد دراسات هذا الكتاب وتتنوع، لكنها تتآلف في ما بينها، إذْ ثمة خيط واحد ناظم يربط بين مختلف الموضوعات (حديث عن الثقافة بكل تجلياتها، وعن الأدب بكل تلويناته، حديث عن المثقف ومختلف أنماطه ووظائفه، حديث عن المحلي والكوني وتجليات البيثقافي، حديث عن البين طرفين في الخطاب بتعدد أنواعه : في اللسان، وفي الدين...). ويتبدى هذا الخيطُ الناظم في قضية واحدة، وموضوع واحد هو، بصورة عامة، رهان الهوية في ظل عالم متعدد ومتنوع، وبصفة خاصة، رهان الهوية المغربية حيثُ يتم قهرُ صعوبةِ تعايشِ الهويات الذي يرتكز على النظر إلى المغايِر على أنه النقيضُ المنبوذُ... الآخر هو الجحيم. لكني أقول مع المؤلف إن ما يوحد بيننا هو" رابطة الطابع المغربي(تمغربيت) بصرف النظر عن اختلاف العبادة واللسان والثقافة"، وإن "العيش معا" يظل" الخيار الوحيد المجدي للبشرية لأنه يتعلق ببقاء الجنس البشري".

11ويقودنا كتاب بوكوس المدبَّجُ بلسانِ الآخر عن الذات، عن فرحها وحزنها وعن السالف والآني والآتي، إلى طرح أسئلة ثقافية عامة عن الترجمة (الفعلِ المؤسس والمقوِّض في الآن ذاته) في ما يتصل بطرائق ممارستها وبمراميها الكبرى : لماذا نترجم؟ ولمن نترجم؟ وكيف نترجم؟ إنها الأسئلة الرئيسَةُ التي تُلخِّص مجملَ التفكيرِ النظريِّ الذي تأسس حول الترجمة؛ هذه "الخائنة" الجميلة، المشاكسة والمتمنِّعة.

12بالتأكيد، قد يختلف المترجمون بخصوص الإجابة عن السؤال الأخير الذي أسال مداداً كثيراً، وأنتج سيلا من الإجابات بدءاً من ملاحظاتِ الأوائلِ المتناثرةِ والمصاغةِ على شكل تعاليم أورتودوكسية، ومروراً وانتهاءً بالصياغات النظرية المتماسكة والمستلهِمة لأدوات مستنبَطة من مختلف المجالات المعرفية...لكنهم، على النقيض من ذلك، يتفقون تقريبا في ما يتصل بالإجابة عن السؤال الأول والثاني. إننا نترجم مستحضرين الآخر في الثقافة المغايرة، الآخر الذي ينتمي إلى لسان آخر وفضاء مغاير، الآخر الذي نحتاج إليه لسد فراغ وتدارك نقص، حاصل أو طارئ، في ما يتعلق بالإنتاج المحلي، وتغذيته عن طريق النقل وإعادة الصياغة والبناء والتأسيس الذي يُفكِّك القائمَ ويهدمه، ويُعيد تركيبه بالاعتماد على القادم من الضفاف الأخرى...نُترجم لأننا ننطلق من قناعة راسخة تتجلى في كون الترجمة تساهم في انتقال الأفكار من ثقافة إلى أخرى، وفي التلاقح بين الحضارات على أساس أنها تتم من لسان إلى لسان آخر، كما أن الانتقال يحدث من سياق ثقافي وحضاري إلى سياق آخر مختلف...بيد أننا نقوم هنا، في هذا المؤَلَّف، بالنقل من لسان إلى آخر، لكن ضمن السياق الثقافي ذاته. ما الذي نُترجمه في هذه الحالة ونقوم بتأمين انتقاله؟ ثم هل ما نقوم به هو ترجمةٌ ونقلٌ أم حديثٌ عن الذات بلسانين، وفي لحظتين زمنيتين يتأسس فيهما الحديث اللاحق انطلاقا من وجهة نظر الحديث السابق ومنطلقاته ومقصديات قوله؟ أم أن الترجمة تتم بِهَمِّ تعميم القول وإبلاغه لأحاديي اللسان داخل الثقافة ذاتها، بعد أن يكون قد استنفد أمَد حضوره في لسان الآخر؟

13ولا تُعَد حالة بوكوس استثناء من القاعدة، بل إنها تنضم إلى كم هائل من الكتابات، وفي مجالات متنوعة (سوسيولوجيا، واقتصاد، وسياسة، وتخييل، وشعر...). نحن إذن أمام ظاهرة تقتضي منا لفْت الانتباه وطرح الأسئلة الوجيهة بصددها، في انتظار الإجابات الثقافية الكبرى عنها التي تخوض في الابستمولوجي، والسوسيولوجي، والسياسي، بقصد فهم مُحركِّات "هروب" الذات من لسانها للكتابة بلسان الآخر عن واقعها وأحلامها ومآلها، عن كبواتها وإشراقاتها، عن الهوية وعن الآخر، ثم هل هو "هروب" أم اختيار واع وإرادي؟ هل الكتابة عن الذات بلسان الآخر رغبةٌ من الأنا في الانفتاح على الآخر وتفاعلٌ معه وإثباتٌ للتميز والندِّيةِ، وتعريفٌ بالثقافة الخاصة في تجلياتها المختلفة؟ أم أنه محاولة لتسويق صورة فولكلورية وفرجوية عن الذات قصد كسب حظوة لدى الآخر؟ إنها أسئلة تنطلق من هَمٍّ أركيولوجي عميق تتداخل ضمنه وتتقابل العديد من المفاهيم والرؤى المحددة للذات في علاقتها بالآخر، والمحددة للآخر في علاقته بالذات؛ من قبيل : الهوية، الآخر، الاستلاب، التفاعل، التأثير، التلاقح، وغيرها من المفاهيم التي تستدعيها هذه الحالة المقلقة والمربكة في الآن نفسه.

14لمن نكتب؟ ولمن نترجم إذن؟ ثم ماهي مقصديات اشتغال الفعلين معا في هذه الحالة؟ نحن نعلم بأننا كما نقرأ الآخر (القراءة الأفقية والعمودية، البريئة والآثمة، الأحادية والمتعددة)؛ يتعين عليه، هو الآخر، أن يقرأنا. نحن نقرأ الآخر في لسانه وعن طريق الترجمة، فتكون القراءة فعلا واعيا، والذهاب نحوه اختيارياً وإرادياً وقصدياً. فهل الآخر يقرأنا بالمنطلقات ذاتها؟ أم أن الذهاب من ضفة إلى أخرى مرهون بصراع المركزيات والقوى والسياسة والاقتصاد؟ هل نكتب للذات وعن الذات ونترجم للآخر؟ أم نكتب للذات وعن الذات ونترجم للذات؟ ثم هل نترجم الآخر قصد قراءته؟ أم نقرأه قصد ترجمته؟ إنها أسئلة تروم إجراء بحث أركيولوجي عميق في هذين الفعلين، الكتابة والترجمة، اللذين يقتربان من بعضهما حدَّ التماهي، وينأيان عن بعضهما حدَّ التنافر.

15إنني آثرت هنا طرحَ الأسئلة، وإثارةَ الانتباه أكثر من الإجابة، متعجلا ومستبقا اختمارَ السؤال في ذهن الأجيال وتوفرَ شرط الإجابةِ الذاتي والموضوعي والمعرفي. السؤالُ حفر في اتجاهات متعددة وتَوَسُّلٌ بمرجعيات متنوعة. إنه تعالٍ، سمو وانفعال إبستمولوجي، توق نحو آفاق رحبة، نحو السؤال لتبدأ الدائرة من جديد إلى ما لا نهاية.

16بعد هذا السفر الطويل الحافل، لن أجد أعمق وأجمل من عبارة إدريس الشرايبي التي ختم بها المؤلِّف سفره الممتع والمضنى في الآن ذاته، لأختم بها سفري في تضاريس هذا الكتاب المتنوعة : "أنا أحب بلدي، ويتعين عليَّ فقط، مهما كنت بعيدا في جميع أنحاء العالم، أن أغمض عينَيَّ لأراه وأستمع إليه، وأشم رائحته وأشعر به". بالفعل ما علينا إلا أن نغمض أعيننا لكي يكون بِمقدورنا رؤيةُ بلدنا بعيدا عن ضوضاءِ الصُّورِ المتزاحمة التي تحْجبُ عنا الرؤية الصحيحة، وتقطعُ عنا حبلَ التأمل، وتحملُنا من الإحساس الصوفي النبيل بفرادتنا وتعددنا واختلافنا، إلى الإحساس المتوجس من تنوعنا وتعايشنا تحت السماء نفسها. بالفعل، ما علينا إلا أن نغمض أعيننا لنراه هويةً متعددة تُمكِّننا من أن ندركه في وحدته لا في تفككه، في امتداده لا في انحساره، في سحره الآسر لا في كآبته المتحجرة. الوطنُ إحساسٌ بالذات، بالغير وبالآخر. الوطنُ سمفونيةٌ تتعددُ حروفهُا وتختلفُ جُملُهَا، لكنها تَتَّحِدُ لتعزف لحناً واحداً شجياً بِنَفَسٍ واحد وإحساس عميق... بالفعل ما علينا إلا أن نغمض أعيننا أينما كنا لنراه ونستمع إليه ونَبنيه كما نشتهيه، ونَقترب منه لأن المسافة ليست دائما كمية، وإنما إحساسا وكينونة تسمو فوق المبتذل والعارض باتجاه الجوهري والصوفي، حتى ندرك" سكينَةَ الروح" ونمتلك" قيمَ حَداثةٍ مؤنسَنَة"…من هنا تبدأ الرحلة.

Haut de page

Pour citer cet article

Référence papier

Aziz Lamtaoui, « "دراسات عن الرهانات الثقافية" لأحمد بوكوسمن تفكيك رهانات الثقافة إلى تأسيس ثقافة الرهانات »Asinag, 17 | 2022, LXXXI – LXXXVIII.

Référence électronique

Aziz Lamtaoui, « "دراسات عن الرهانات الثقافية" لأحمد بوكوسمن تفكيك رهانات الثقافة إلى تأسيس ثقافة الرهانات »Asinag [En ligne], 17 | 2022, mis en ligne le 01 février 2024, consulté le 21 juin 2024. URL : http://0-journals-openedition-org.catalogue.libraries.london.ac.uk/asinag/2583

Haut de page

Auteur

Aziz Lamtaoui

عزيز لمتاوي

باحث مترجم

Haut de page

Droits d’auteur

CC-BY-NC-ND-4.0

Le texte seul est utilisable sous licence CC BY-NC-ND 4.0. Les autres éléments (illustrations, fichiers annexes importés) sont « Tous droits réservés », sauf mention contraire.

Haut de page
Rechercher dans OpenEdition Search

Vous allez être redirigé vers OpenEdition Search